سعيد عطية علي مطاوع
134
الاعجاز القصصي في القرآن
تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ، ولم يقل : لا تعبد . ثم قال : " يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ " . . . فلم يقل له : إنك جاهل لا علم عندك ، بل عدل عن هذه العبارة إلى ألطف عبارة تدل علي هذا المعني فقال : " جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ " ثم قال : " فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا " . . ثم قال : " يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا " فنسب الخوف إلى نفسه دون أبيه ، كما يفعل الشفيق الخائف علي من يشفق عليه ، قال : " يَمَسَّكَ " فذكر لفظ المسّ الذي هو ألطف من غيره ، ثم نكّر العذاب ، ثم ذكر الرحمن . . وهذه الحكمة في معالجة الموقف شاهد صدق علي ما يجب أن يتحلّى به الداعية من خصائص لولاها لما أتت الدعوة أكلها - بل إن الداعية حيث يتجرد منها يكون عبئا علي الدعوة لا سند لها . . تواضع الداعية : وفي التعبير بقوله تعالى : " عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا " تواضع يتوّج هامة الداعية الذي يرجع كل شيء إلى اللّه تعالي ، ولا يقطع بما سيكون عليه ، بل يتركه لتقدير اللّه تعالى وذلك قوله : " عَسى أَلَّا أَكُونَ " وإذا كان قوله : " شَقِيًّا " تعريضا بأبيه وقومه ، فإنه الأسلوب الممسك بالخيط فلا يقطعه فلعل فرصة قريبة تتاح للعودة إليه . . ولا نغفل قوله " وَأَعْتَزِلُكُمْ " ولم يقل " واعتزلك " رعاية لمشاعر الأبوة . . وتقديرا من الابن لوالده مهما كانت درجته من الجحود والجمود . . ونري من هذا كلّه كيف يتخذ الاستدراج طريقا لإثبات الدعوى ، وذلك بأن يبدأ الخطيب في إلقاء الريب في نفوس من يخاطبهم ، ثم يلقي إليهم ببعض ما تنتجه الأدلة مغضيا النظر عن النتائج الحقيقية السليمة التي تنتجها البراهين ، حتى إذا اطمأن إلى أنه قد أخذ بزمام الجماعة يقودها حيث شاء ، ألقي إليهم بالنتائج كلها لبراهينه ، والاستدراج كما رأينا يكون في المقامات الخطابية التي يكون الخطيب فيها متصديا للدعوة لأمر لم تألفه الجماعة ، أو لفكرة تناقض أمرا اتفقت عليه . . . إن إبراهيم عليه السلام كمسلم ينزّه لسانه عن الفحش ، ثم هو كداعية مأمور أن